ابن أبي مخرمة
186
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
انتقل إلى اليمن مختفيا من الحجاج ، فخرج سحرا يريد الانتقال فسمع رجلا ينشد : [ من الخفيف ] صبر النفس عند كل ملم * إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن في الأمور فقد تك * شف غمّاؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس لأمر * وله فرجة كحل العقال فقال له أبو عمرو : وما الأمر ؟ قال : مات الحجاج ، قال : فلم أدر بأيهما أنا أفرح : بموت الحجاج ، أم بقوله : فرجة ؟ أي : بفتح الفاء ، وكنا نقول : فرجة من الفرج ؛ أي : بضم الفاء ، قال الأصمعي : بالفتح من الفرج ، وبالضم : فرجة الحائط . دخل أبو عمرو على سليمان بن علي عم السفاح ، فسأله عن شيء ، فصدقه فلم يعجبه ، فخرج وهو يقول : [ من المتقارب ] أنفت من الذل عند الملوك * وإن أكرموني وإن قربوا إذا ما صدقتهم خفتهم * ويرضون مني بأن أكذب وكأنه أهمل عمل ( أن ) هنا على لغة من لا يعملها مع اجتماع شروط العمل فيها ؛ حملا على ( ما ) أو لعلها المخففة من الثقيلة ، ولم يأت بالفاصل من السين ونحوها على الوجه الضعيف ، وجعله الشيخ اليافعي إقواء « 1 » . وأخبار أبي عمرو كثيرة ، وفضائله شهيرة ، ولد بمكة سنة سبعين ، أو خمس وستين ، أو ثمان وستين . وتوفي بطريق الشام - وقيل : بالكوفة - سنة أربع وخمسين ، ولما حضرته الوفاة . . أفاق من غشيته ، فرأى ابنه بشرا يبكي ، فقال : وما يبكيك وقد أتت عليّ أربع وثمانون سنة ؟ ! ورثاه بعضهم بقوله : [ من الطويل ] رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله * فلله ريب الحادثات بمن فجع فإن تك قد فارقتنا وتركتنا * ذوي خلة ما في انسداد لها طمع فقد جرّ نفعا فقدنا لك أننا * أمنا على كل الرزايا من الجزع توفي سنة أربع وخمسين ومائة .
--> ( 1 ) انظر كلام اليافعي في « مرآة الجنان » ( 1 / 326 ) .